فوزي آل سيف

58

فقه العلاقات الاجتماعية

وهكذا تفتعل القصص من لا شيء ، وتعظم القصص الواقعية الصغيرة ، وتفسر الحوادث البسيطة ! فإذا رؤيت تزرع حبة بطيخ في الحديقة فهذا سحر تدفنه ! ، وإذا جمعت شعر الأطفال من الغرفة للتنظيف ، فهذا من أجل أن تذهب به معها .. إلى غير ذلك . ويترتب على هذا أن الزوجة إذا ساءت علاقتها بزوجها لإهمالها ، أو سوء تعامله ، فليس هما السبب وإنما السبب هو ( عمل السحر ) الذي قامت به الخادمة ! وإذا فشل ولدهما في الدراسة ، ورسب في الامتحان ، فلس السبب أنه لا يذاكر درسه ويقضي وقته في النوم ، ومشاهدة التلفاز وإنما بسبب العاملة المنزلية ! وهكذا .. وهو أسهل طريق للهرب من محاسبة النفس ، وإلقاء اللوم على الغير . وفي أقل الفروض فإن هذه العاملة ـ في رأي ربة البيت ـ تتعمد مضايقتها ، وتتقصد مخالفتها ، ولا تقوم بأعمالها إلا بالنحو الذي يغضب ربة البيت ! وهي التي ستسبب لها أمراض القلب والضغط والسكر ! والغريب في ذلك أنها لم تأت هي إليهم ، وإنما هم ذهبوا وراءها وجلبوها من أقصى بلاد الأرض ! وهي لا تعرفهم مسبقا ، ولن تتوقف عندهم بعد انتهاء عقدها ومصلحتها معهم ، وبالتالي لا عداوة كما لا محبة سابقة بينها وبينهم ، إنما محبتها للراتب الذي تستلمه .ولكن هؤلاء يتعاملون معها مبدئيا وكأنها قد قدمت لأجل تحطيم هذه العائلة ، ويظهر هذا في ألفاظهم معها ، وتعاملهم إياها ، وسوء ظنهم بها ! لا ننكر أن هناك بعض العاملات سيئات ، وخصوصا وأنهن قد جئن من بيئات ليست نظيفة بالضرورة ، ولا يتمتعن بالتالي بمستوى أخلاقي أو تهذيبي رفيع ، فإذا وجدن مجالا لهن في هذا البيت ليلعبن فيه بشكل سيء فلن يقصرن ! ولا ريب أن بعضهن لسن على مستوى من احترام الشخصية ولا يعرفن الحدود ، فإذا رأين أن رب البيت يمكن استمالته ولو بالموضوع الجنسي في مقابل المال ، فلا مانع لدى بعضهن ! لكننا نعتقد أن ليس الكل هكذا ولا النسبة الغالبة ، بل ولا الكثيرة .. وإنما هن يمثلن مجتمعا بشريا عاديا ، فيه الخير والشر ، تماماً مثلما هو المجتمع الذي يعملن فيه ، ومثل العائلة التي يسكنّ فيها ، ففيها من عناصر الخير ومن عناصر الشر .. إن وجود مئات الآلاف من العاملات في بعض مجتمعاتنا ، لا يجعل مئة أو ألف حادثة سيئة عنوانا عاما لهن ، فقد يكون ذلك بنسبة واحد في المئة أو اثنين في المئة وهي لا تعد شيئاً كثيراً , ولو قايسناها بما هو موجود في هذه المجتمعات من الانحراف وقارنّا النسبة المئوية لوجدنا شيئاً كبيراً في جهة الانحراف في المجتمع . 2/ مشروع لذة واستمتاع : يخلط بعض أرباب العمل بين وظيفة الخادمة ، ووظيفة الجارية ( وبنت الهوى ) ، فيتصور أن هذه العاملة المنزلية التي جاءت من بلدها إلى بلد آخر ومن بيتها إلى بيت آخر لا مانع عندها من بيع اللذة ، وإلا فكيف جاءت ؟ والحقيقة أن هذا الخلط المتعمد في بعض الأحيان ، يباين الواقع وينافيه .. ذلك أن حال العاملة المنزلية هو حال غيرها من العاملات ، وإن اختلفت مجالات العمل ، فكما أن تلك العاملات ( من ممرضة في المستشفى ، وسكرتيرة في الشركة ، ومضيفة في الطائرة .. وغير ذلك ) يقدمن على بيع خبرتهن على رب العمل في مقابل أجر ، فالعاملة المنزلية تقدم على بيع جهدها العضلي في مقابل الأجر .. وقد تكون بعض العاملات المنزليات كما أسلفنا القول ، لا مانع لديها من الحصول على المال حتى في مقابل بيع الجنس واللذة لكن هذه الحالة هي الاستثناء ، فإن الأعم الأغلب منهن ، مثلما هو الحال في المجتمع البديل الذي يعملن فيه ، محافظات على شرفهن ، وعندما يتصورن بوجود نية سيئة لدى مخدومهن في استغلالهن جنسياً فإنهن يدافعن عن شرفهن بشراسة تصل أحياناً إلى القتال .